،، الصور المفجعة التي بثتها مؤخراً قنوات فضائية متلفزة للأطفال من أبناء الصومال الشقيق ضحايا الجوع كفيلة بأن تكبح جماح البعض ممّن يتعاملون مع شهر رمضان المبارك و كأنه موسم للموائد والأنواع المتعددة من أطايب الطعام .
المشاهد التي بدا عليها أطفال اشقائنا الصوماليين على الشاشات الصغيرة أو ما تبقى من هياكلهم العظمية بسبب الصراعات بين ممتهني السياسة وطلاب السلطة في هذ البلد العربي المسلم لم تعد للأسف الشديد بذات التأثير الإيجابي المأمول على نفوس وضمائر ملايين المسلمين ممن طغت عليهم الحياة العصرية بتعقيداتها المختلفة لدرجة تغيرت معها معايير وأسس التعاطي مع مختلف الظواهر والقضايا الإنسانية وأصبحت بعيدة كل البعد عن الحق والصواب.
وعاماً بعد عام ومرحلة إثر أخرى تتلاشى في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وبشكل مخيف المزايا الرائعة والسمات الروحانية من شهر الصوم والعبادة التي لطالما صبغت هذه الأيام المباركات بسجايا التراحم والتكافل والاستفادة القصوى من العبر والدروس والحكمة المتوخاة من فريضة الصيام.
واكتظت شوارع العاصمة صنعاء خلال الأيام الأخيرة من شعبان ومثلها بقية المدن بالمتسوقين الذين تدافعوا بصورة غير مبررة إلى الأسواق والمحلات لاقتناء مواد وسلع الشهر الكريم مع أن هذه المتطلبات باتت موجودة في كل حارة وهي وحي وفي البقالات والحوانيت التي تضج بها الأزقة والأحياء.
هذا التسابق المحمومة والمبالغة في الاستعداد لاستقبال شهر الصوم في شقه المادي عكس الغياب الكبير للإعداد والتأهب لموسم الفضائل والمكرمات في الجانب المعنوي، كما تجسد هذه الظاهرة غير المحمودة تسرع وتهور البعض في التعاطي مع متطلباته واحتياجاته..
ومع أيام الصيام الأولى يشاهد المرء مواقف وحكايات غريبة أبطالها أناس ظنوا تحت تأثير الجوع بأن لا شيء من المأكولات المعروضة قد تسد جوعهم ما يؤدي إلى ظهور موائد يفوق محتوياتها احتياجات الأسر وبالتالي ذهاب كثير من هذه النعم إلى حيث لا ينبغي لها أن تكون.
وما احوجنا جميعاً أن نتذكر ونحن نكب بقايا موائدنا إلى براميل المخلفات بأن هناك 3 ملايين صومالي اصبحوا يواجهون الموت بسبب الجوع والعجز عن الحصول على لقمة تمكنهم من البقاء على قيد الحياة.
ولعله من المؤسف والمحزن حقاً أن تختفي من حياتنا كثير من المشاهد الرمضانية السامية وخاصة في ما يتعلق بالتراحم بين المجتمع ومد يد العون للمحتاج والمسكين والإحساس بمعاناة وآلام الفقراء وإقامة حلقات الذكر والأمسيات المنعمة بالروحانية والصفاء وبالتالي حلول عادات أخرى بديلة كالإفراط في متابعة الفضائيات وبرامجها البعيدة عن قيم وعبر الشهر الفضيل وجلسات القات المشحونة بالكثير من النمائم والموبقات وحتى الجمعيات الخيرية طغى على كثير من أنشطتها الجانب الإعلاني والترويجي وحتى الأبعاد السياسية طالتها باقتدار وهو الأمر الذي أصبح يهدد هذا النوع من النشاط بالفشل والعجز عن أداء دوره المأمول خاصة وأن هناك شكاوى وأحاديث في بعض المحافظات والمناطق بأن كثيراً من المساعدات الرمضانية من مواد الغذاء تذهب لصالح النافذين والمقتدرين، فيما يكتفي أصحاب الحاجة من الفقراء والمستحقين بأخذ الطوابير الطويلة دون الوصول إلى الهدف المنشود..
وفوق هذا وذاك كم نحن بحاجة أن يضع الحزبيون والسياسيون مماحكاتهم وتكتيكاتهم جانباً خلال هذه الأيام المباركات على الأقل والانضمام إلى المجاميع المتطلعة إلى الاستثمار الأمثل لشهر الرحمة والغفران علّ نصيبا من هذه الرحمة ينالنا ويزيل عنا أدراننا وزلاتنا وما أكثرها..
كما لا ننسى ونحن ندلف إلى أيام وليالي الشهر الكريم أن نذكر إخواننا من سائقي سيارات الأجرة على الخطوط الطويلة وحتى داخل المدن بأن نسبة وقوع الحوادث المرورية تتضاعف خلال شهر رمضان المبارك نظراً لزيادة حركة التنقلات والسفر بين مختلف المناطق والقُرى، وهو ما يلقي بمسئولية مضاعفة على السائقين لتجنب كل المسببات المؤدية إلى مثل تلك الحوادث التي يذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء.
وإذا كانت إحصائيات السلطات المختصة بالشأن المروري تشير إلى أن حوادث السير تودي بحياة 7 أشخاص يومياً وإصابة 47 آخرين في الأيام الاعتيادية فذلك يعني أن عدد الضحايا سيكون مرتفعاً جداً خلال رمضان خاصة إذا استمرت الأخطاء وغابت الإجراءات الاحترازية المطلوبة، وكل عام والجميع بخير وأمان.